هــادي ثـلة الآخـرين

هــادي ثـلة الآخـرين

قال تعالى: (إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ) الرعد (7) أنا لا أدري لماذا يصر كثير من العلماء بأن (المهدي) لم يذكر في القرآن وأن كل الأحاديث المصرحة به لم يصح منها حديث لذلك أسقطوه من عقيدة الأمة.

أقول: من الأشياء التي تدعو إلى الإعجاب أن يرد العلماء كثير من الأحاديث بحجة ضعف سندها وهذا يؤكد للأمة أن علماءها لم يأخذوا الأخبار على علاتها بل محصوها لمعرفة الصحيح من المعتل وبهذا تثق الأمة بالصحيح وتتوقف عند المعلول.

فكون الأحاديث المصرحة بلقب المهدي معلولة كلها فذلك لا يحجر على القرآن ذكره فالحق أن الآية السابقة صرحت بذكر المهديين جميعاً (وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ) (والهادي) أقوى في دلالته على الإمامة من (المهدي) لأن (الهادي) هو الذي يؤتم به أما (المهدي) فقد تكون هدايته قاصرة على شخصه فقط، فالآية (وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ) تلزم الأمة بأنه في كل قوم منها (إمام هادي) يلزمها الاعتقاد بإمامته وإتباعه في كل قوم من هذه الأمة، وكل من اتبع هذا الإمام الهادي فهو مهدي نتيجة لإقتدائه بهادي قومه. والقوم هم الذين يعيشون في زمن واحد من أزمان هذه الأمة كشرط أساس لتعريف (القوم) وقد يضاف إلى هذا الشرط شروط أخرى جانبية كأن يربطهم رابط الإقليم (الجهوية) أو العرق أو الدين....الخ.

والزمن هو الشرط الأساسي في تحديد القوم فالإنذار لا يكون إلاَّ بالتحذير من أمر مستقبلي يحدث ويكون النذير لتهيئة الناس نفسياً لاستقباله فذكرت الآية بنص صريح أن لكل قوم من أقوام هذه الأمة (هَادٍ) وأن هؤلاء الهداة هم الذين تنقسم عليهم الأمة إلى (أقوام) هم الذين يعاصرونه في زمان هذه الأمة الممتد من بعثته صلى الله عليه وسلم إلى أن تختم بعيسى ابن مريم هو هادي آخر قوم من أقوام هذه الأمة.

يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ

قال تعالى: (وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ) محمد (38) قال ابن كثير في المجلد الرابع لشرحه لهذه الآية:

(وَإِن تَتَوَلَّوْا) أي: عن طاعته وإتباع شرعه (يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ) أي: ولكن يكونون سامعين مطيعين له ولأوامره. وقال أبي حاتم وابن جرير حدثنا يونس بن عبد الأعلى حدثنا ابن وهب، أخبرني مسلم بن خالد عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية (وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ) قالوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين إن تولينا استبدل بنا ثم لا يكونوا أمثالنا؟ فقال: (فضرب بيده على كتف سلمان الفارسي رضي الله عنه ثم قال: هذا وقومه ولو كان الدين عند الثريا لتناوله رجال من الفرس) تفرد به مسلم بن خالد الزنجي ورواه عنه غير واحد وقد تكلم فيه بعض الأئمة رحمة الله عليهم والله أعلم) أهـ.

وقوله (تكلم فيه بعض الأئمة) يعني عدم الإجماع على صحته وبهذا لا تقوم به حجة فهو مرجح عليه بالحديث الآتي:

أخرج مسلم: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا جرير عن عبد الملك بن عمير عن جابر ابن سمرة عن نافع بن عتبة قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة قال: فأتى النبي صلى الله عليه وسلم قوم من قِبَل المغرب. عليهم ثياب الصوف، فواقفوه عند أكَمَةٍ، فإنهم لقيام ورسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد قال: فقالت لي نفسي: ائتهم فقم بينهم وبينه، لا يغتالونه، قال: ثم قلت: لعلَّهُ نجيّ معهم. فأتيتهم فقمت بينهم وبينه، قال: فحفظت منه أربع كلمات أعدهنَّ في يدي قال:

(تغزون جزيرة العرب فيفتحها الله

ثم فارس فيفتحها الله

ثم تغزون الروم فيفتحها الله

ثم تغزون الدجال فيفتحه الله) أخرجه مسلم (2900).

إمام (قوم) المغرب هؤلاء هو أحد الأئمة الهداة الوارد ذكرهم في الآية (وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ) وهو آخر المهديين لأنهم يغزون الدجال في آخر الأمة وانتصارهم على الدجال (فيفتحه الله) دليل على أن إمامهم الهادي هو عيسى ابن مريم. وكونهم يغزون الدجال (فيفتحه الله) دليل على أن الدجال دولة تحكمها مؤسسات وليس مجرد رجل بعينه فإني منذ بداية دعوتي ذكرت أن الدجال مظهر حضاري كان في الماضي مجسداً في بريطانيا (الإمبراطورية التى لا تغرب عنها الشمس) لأن الدجال لغة يعني تغطية الأرض والآن خلفتها الولايات المتحدة الأمريكية فهي اليوم الإمبراطورية التي لا تغرب شمسها لأن أساطيلها جابت كل محيطات الأرض وأقامت قواعدها العسكرية في أرجاء المعمورة وأقمارها الاصطناعية غطت قبة السماء نفذت من أقطار الأرض فحطت مركبتها الفضائية على سطح كوكب المريخ.

وبهذا التعريف للدجال لا يمكن أن ينحصر في رئيس بعينه من رؤساء بريطانيا في السابق أو أمريكا في الحاضر ولا يمكن أن يحصر في شخص جورج بوش الابن بل أن الأحاديث الصحيحة تتحدث عن ثلاثين دجالاً وأن المسيح يجد في المنارة البيضاء دجالاً ويجد في الأعماق أو دابق دجالاً ويجد آخراً في عقبة أفيق ورابع في جبل الدخان وخامس في بيت المقدس فكل الذين يربطون دعوتي بجورج بوش الابن في فترة رئاسته هو من قبيل قوله تعالى: (فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ) آل عمران (7).

لقد أُصيبت الأمة بتخلف في العقل والفهم. فهل قتل رئيس دولة ذات مؤسسات مثل الولايات المتحدة أو إسرائيل يسبب انهياراً في الدولة وسقوطها؟ لقد قُتل جون كندي رئيس الولايات المتحدة فلم تنهار الدولة وقتل اسحق رابين ولم تتلاشَ دولة إسرائيل (أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) محمد (24).

فحديث مسلم الصحيح يعارض حديث أبي حاتم الضعيف فيكون المراد من الآية (قوم من قبل المغرب) ليس قوم سلمان في فارس الذين يغزوهم قوم المغرب فيفتحها الله لهم ، دليل على أنهم أطاعوا فاستبدلهم بالمسلمين في جزيرة العرب. فشرعَّ لهم غزو العرب (تغزون جزيرة العرب) فيؤيدهم الله بنصره (فيفتحها الله).

فأهل المغرب هم أعاجم السودان السياسي.

ثـورة الأعـاجم فـي السودان

من الملفت للنظر أن ثورات أقاليم السودان قام بها الأعاجم دون عرب السودان. مع ملاحظة أن توجهات هذه الشعوب خاصة في دار فور توجهات إسلامية إضافة إلى بعض قياداتها مثل الدكتور خليل إبراهيم رئيس العدل والمساواة وتلفون كوكو في جبال النوبة. ومن قبل داود يحي بولاد في دار فور.

وأقول: بكل صدق فإن هذه القيادات أخطأت في تحديد القيادة المناسبة متمثلاً في قائد القوم الذي ينتصرون تحت قيادته. فهو وحده يحقق الشعارات التي ينادون بها وثاروا على المركز من أجلها وهي (تحقيق العدل والمساواة).

فقد جاء ذكر هذا القائد المحتمل لثورة حركات دار فور وجبال النوبة باختصار (ثورة الأعاجم) في كتاب: كاشف الإلباس عن فيضة الختم أبي العباس للشيخ إبراهيم الكولخي صفحة (184- 185). جاء فيه:

(وفي الفتوحات المكية في الباب السادس والستين والثلاثمائة حيث تكلم على الخليفة في القرن الذي ذكر أنه رابع القرون الثلاثة وعللّ بأنه رجاله على أقدام الصحابة رضوان الله عليهم ما نصه: وإن الله يستوزر له طائفة خبأهم الله في مكنون غيبه، أطلعهم كشفاً وشهوداً على الحقائق وما هو أمر الله عليه في عباده، فبمشاورتهم يفصل ما يفصل وهم العارفون الذين عرفوا ما ثمّ.

وأما هو يعني الخليفة فصاحب سيف حق وسياسة مدنية يعرف من الله قدر ما تحتاج إليه مرتبته ومنزلته، لأنه خليفة مدد يفهم منطق الحيوان يسري عدله في الإنس والجانُّ من أسرار وزرائه الذين استوزرهم الله له قوله (وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) وهم على أقدام رجال من الصحابة (صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ) وهم من الأعاجم...) أهـ.

وهنا إضاءتان في كلام ابن عربي توحي بأن هذا الخليفة هو المسيح ابن مريم الأولى قوله (فصاحب سيف حق وسياسة مدنية) فالدولة المدنية في الإسلام لا يقيمها خليفة من خلفاء هذه الأمة إلاَّ عيسى ابن مريم لأنه يسقط الصدقة أي الزكاة- عن المسلمين والجزية عن أهل الكتاب ويساوي بين المسلم وغير المسلم في الدولة الوطنية أي (المدنية) ففي حديث الإمام أحمد (فيدق الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويدعو الناس إلى الإسلام فيهلك الله في زمانه الملل كلها إلاَّ الإسلام).

فلا يحق لأحد من هذه الأمة غير عيسى ابن مريم أن يحيد عن نص قوله تعالى: (فَإِن جَآؤُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُم أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ* وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللّهِ) المائدة (42-43).

والإضاءة الثانية هي الذين على أقدام الصحابة هم أصحاب المسيح قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ليدركن المسيح أقواماً مثلكم أو خير منك ثلاث مرات) أخرجه الحاكم في المستدرك ج3 رقم (41).

مع ملاحظة تناسق (َلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ) و(قوم من قبل المغرب) و(ليدركن المسيح أقواماً) دلالة على أن هادي أهل المغرب الذي يستبدلهم (قَوْماً غَيْرَكُمْ) هو المسيح. وقد صرَّح باسمه ابن عربي:

(يا لها من غنيمة ما أكثرها ونعمة ما أغزرها ونقمة على الأعداء الذين لا يتبعون الهدى ويسمعون النداء تلك الواقعة سبب تخريب بلاد الصليب وقيام الأطراف على جزيرة القليب... هول وهول إلاَّ في قطر الكنانة فإن طالعها قد خص بالصيانة لا يقهرها قاهر ولا يظهر عليها فاجر فهي محفوظة الأركان مخصوصة بالأمن والإيمان حتى تشرق الشمس من عين الروح...وتستمر الكنانة في حفظ الصيانة وتقوى شوكة قطانها حتى لا يدخلها دخيل ولا يتصرف فيها بديل، رجالها الأعيان عدة الغين الجامدة غير المتحركة إذ آن أوانهم وتعينت أعيانهم شيدوا أركانها وكشفوا أعوانها بالفرد القائم، ذاك هو الميم بن الميم الأول وابن الحاء الأول والحاء الآخر، فيه سليمان، من الأحرار لا من العبيد... رجاله رجال النجدة). المصدر: المفاجأة بشراك يا قدس صفحة (378) للكاتب محمد عيسى داود.

قطر الكنانة يراد به السودان فالكنانة هي العصابة التي تكون مع عيسى ابن مريم بدليل قوله (تخريب بلاد الصليب) ولا يفعل ذلك إلاَّ عيسى بن مريم فأصحاب هذه الكنانة وقطرها يعرفون بالفرد القائم وذكر اسمه صراحة فقال: (فيه سليمان... رجاله رجال النجدة) فهم يأتون من أطراف الجزيرة العربية أي خارجها فقال: (وقيام الأطراف على جزيرة القليب).

معنى الفــرد القـائم

الفرد القائم هو القائم بهداية الخلق وإمامتهم بأمر الله ويعرف بالإنسان الكامل ولكل زمان إمام كامل هو صاحب الوقت وهادي قومه وخليفة الله في الأرض. فقد جاء في كتاب (كاشف الإلباس) للكولخي ص (115) قال الشيخ الكبير صدر الدين القنوي قدس الله سره:

(وأتم الخلق معرفة بالله في كل عصر خليفة الله وهو كامل ذلك العصر) وإن هذا الخليفة يأخذ علمه من الله بلا وساطة من أحد قال ص (123): (وقد رأيت مراسلة أرسلها الشيخ محي الدين بن العربي رضى الله عنه إلى الشيخ فخر الدين الرازي صاحب التفسير:

(أعلم يا أخي وفقنا الله وإياك أن الرجل لا يكمل في مقام العلم حتى يكون علمه عن الله عز وجل بلا واسطة من نقل أو شيخ).

والإنسان الكامل في سيره للوصول إلى هذه المرتبة يمر بمراحل فقد جاء في كتاب (كاشف الإلباس) ص (37).

(وقد قال العلامة اليدالي في شرح الخاتمة بعد كلام ما نصه:

أعلم أنه قد انكشف لأرباب البصائر أن الذكر أفضل الأعمال ولكن له قشور ثلاثة: فالقشر الأعلى منه ذكر اللسان فقط والثاني ذكر القلب إذا كان القلب يحتاج إلى مراقبه حتى يحضر مع الذكر. والثالث أن يتمكن الذكر من القلب وسيتولى عليه بحيث لا يحتاج إلى تكلف في صرفه عنه إلى غيره كما أحتيج في الثاني إلى تكلف. والرابع هو اللباب المطلوب وذلك أن لا يلتفت القلب إلى الذكر ولا إلى القلب بل يستغرق المذكور جملته. وهذه الحالة هي التي عبر عنها العارفون بالفناء وذلك بأن يفني عن نفسه حتى لا يحس بشيء من ظواهر جواهره ولا من العوارض الباطنة بل يغيب عن جميع ذلك ويغيب عنه جميع ذلك ذاهباً إلى ربه أولاً ثم ذاهباً فيه آخراً بل الكمال فيه أن يفنى عن نفسه ويفنى عن الفناء أيضاً والفناء عن الفناء غاية الفناء... حتى لا يكون قلبك متسعاً لشيء أصلاً فتخاطب فلا تفهم ويجتاز غيرك بين يديك فلا تراه وعيناك مفتوحتان، ويتكلم عندك فلا تسمع ولا بأذنك صمم. وأنت في الاستغراق غافل عن كل شيء وعن الاستغراق أيضاً).

أقول: وقع لي الاستغراق والفناء عام 1995م وكنت في سجن كوبر ونقلت على أثرها إلى مستشفى التجاني الماحي بأمدرمان ظناً منهم أني وقعت لي حالة جنون وأنا أبعد الناس عن الجنون وإلاَّ لظهرت آثاره تخبطاً في سلوكي وخلطاُ في تفكيري ولما أقمت الحجة العقلية على صحة دعوتي مستحضراً لآيات القرآن المتفرقة في آيات المصحف الشريف والأحاديث المثبتة في كتب الصحاح المتفرقة تقوم ذاكرتي باستحضارها ثم يؤلف بينها عقلي في ترتيب وتنظيم يتطلب درجة عالية جداً من الحضور الذهني الذي هو أبعد ما يكون عن خلط الجنون وتخبط مس الشيطان فكل إناء بما فيه ينضح قال تعالى: (وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً) الأعراف (58) فالناس يعلمون اتزان سلوكي وانتظام تفكيري ولكن مع ذلك يصفونني بالجنون من قبيل الشتم والسباب والحرب النفسية لمحاربة دعوتي في شخصي بعد أن أعجزتهم حجتي بنصوص الكتاب والسنة التي تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن سليمان أبا القاسم مهدي آل البيت وهو ذات المسيح ابن مريم. وقال الشيخ إبراهيم الكولخي في (كاشف الإلباس) صفحة (55):

(وإذا فهمت هذا فأعلم أن المرء يدرك بالتوحيد مقاماً يظنه من لا ذوق له مجنوناً وما هو بمجنون ويتوهم من لا فهم له انه زنديق وما هو إلاَّ صِدَّيق... ويواصل الشيخ الكولخي:

وقال الشيخ سيدي المختار رضي الله عنه: روى عن الجنيد أنه قال: من عبد الله ووحده حق توحيده استعبده وأوحده واختاره لنفسه وافرده عن جنسه وجعله فردانياً يطلب فردانياً... فيظنه من لا ذوق له مجنوناً وما هو بمجنون ويتوهم من لا فهم له إنه زنديق وما هو إلاَّ صِديَّق) أهـ.

إن ما وقع لي في سجن كوبر عام 1995م دليل على بلوغي مرتبة الخلافة الربانية ببلوغي مرتبة العبودية. فقوله استعبده أي: وصل إلى مرتبة العبودية لله ولا ينال احد الخلافة عن الله إلاَّ أن يصل مرتبة الاستعباد هذه وهو الخليفة المشار إليه في الحديث عن أنس بن مالك قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(أسمعوا وأطيعوا وإن أستعمل عليكم عبد حبشي كان رأسه زبيبة) أخرجه البخاري (7142).

فالعبد المراد في الحديث العبد لله وليس المملوك لبني البشر فذاك لا تحق له الولاية لأنه لا يتصرف في حق نفسه فكيف يتصرف في رقاب الناس ورقبة سيده فالقرينة المانعة قوله تعالى: (ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً عَبْداً مَّمْلُوكاً لاَّ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرّاً وَجَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ) النحل (75). الخطاب في قوله (أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ) موجه إلى الذين يعتقدون أن العبد الحبشي الوارد في الحديث إنما هو المملوك فجاءت الآية لترد عليهم قولهم وقد نبه ابن عربي إلى أن المراد بالعبد الحبشي في أرض الكنانة والذي (فيه سليمان) قال: (من الأحرار لا من العبيد) وهو ختم الولاية المنتظر. فالعبودية أعلى مراتب الولاية فلا ينال أحد خلافة الله في الأرض إلاَّ من هذه المرتبة فهو ينسب إلى الخالق بالعبودية وإلى الخلق بالسيادة. فهو عبد الله وسيد خلقه. فهو لا يكون سيداً للخلق إلاَّ بعبوديته لله وهذا هو مدلول الحديث (وإن تأمر عليكم عبد حبشي) وليس العبد الرقيق.وليس الذي يفرض سيادته على الناس بالقوة ولم يبلغ مرتبة ولاية (عبد الله).

خـاتم الولاية إمـام ثلة الآخـرين

قال الشيخ إبراهيم الكولخي في (كاشف الإلباس) صفحة (53)

(وقد وقفت على أسئلة سأل عنها العلامة أحمد بن محمد العلوي رضي الله عنه الشيخ عمر الفوتي رضي الله عنه منها السؤال الثالث من قول الشيخ رضي الله عنه (يعني التجاني) تأتي فيضة على أصحابي حتى يدخل الناس في طريقتنا أفواجاً وتأتي هذه والناس في غاية ما يكونون عليه من الضيق والشدة. هل أتت هذه الفيضة أم هي باقية؟ ونص جواب الشيخ عمر الفوتي رضي الله عنه: وأما الفيضة فأرجو من الله إليكم أن يكون المراد بها أنا العبد الفقير والإمام الفاطمي رضي الله عنه)أهـ.

وقال الشيخ الكولخي: ووقفت على زيادات زادها الشيخ العربي ابن السائح رضي الله عنه على أجوبة الشيخ عمر وقال فيها: وأما قوله في الجواب الثالث عن قول سيدنا رضي الله عنه: تأتي فيضه...الخ: والكل متفقون على أنه يستبعد زمنها والذي نتعقله فيما بلغنا عن الشيخ أنها إلى الآن لم تقع وإنما يكون وقوعها عند ظهور المنتظر حيث تصير الطرق كلها طريقاً واحدة) والله أعلم.

فالمنتظر هنا هو مهدي آل البيت وهو المشار إليه بـ(الفاطمي) فيكون هذا الفاطمي هو عيسى ابن مريم بدلالتين:

الأولى: (أن تصير الطرق كلها طريقاً واحدة) لأن عيسى ابن مريم هو الذي يجمع كلمة الأمة فتكون كلمة الأمة واحدة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (فيكون عيسى ابن مريم في أمتي حكماً عدلاً وإماماً مقسطاً... وتملأ الأرض من السلم كما يملأ الإناء من الماء وتكون الكلمة واحدة فلا يعبد إلاَّ الله) رواه ابن ماجه التصريح حديث (13).

والثانية: إن الشيخ إبراهيم الكولخي صرَّح بأن الفيض يعم على يد المسيح فقال في قصيدته النونية من ديوان شفاء الأسقام:

فيأتي مسيح والرجال رجاله * بدين الإمام الهاشمي تدين

هناك عم الفيض لا شك لن ترى * سوى عارف بالله والشرع متقن

فيختم عيسى لا تكون ولاية * بعيد ممات الروح فالخير يدفن

فعيسى ابن مريم هو خاتم الولاية الفاطمي وقد أشار إليه ابن عربي أنه يظهر في المغرب.

قال الشيخ إبراهيم الكولخي في (كاشف الإلباس) صفحة (23).

(وفي رواية (لا تزال طائفة بالمغرب الخ) قال محي الدين بن العربي الحاتمي:

(إنما جعله الله بالمغرب، يعني مقام الختمية والكتمية لأنه محل الأسرار والكتم، أنظر الفتوحات وانظر كتابه الذي سماه (عنقاء مغرب في ختم الأولياء وشمس المغرب) انظر البغية وقال تعالى: (ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ* وَثُلَّةٌ مِّنَ الْآخِرِينَ) وروى ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسم (الثلتان من أمتي) أنظر الجواهر الحسان)أهـ.

لقد أشار إلى إن ختم الأولياء هو إمام َثُلَّةٌ مِّنَ الْآخِرِينَ الواردة في سورة الواقعة.

 

ثورة أعـاجم السودان ثلة الآخـرين

قال ابن كثير في المجلد (4) في تفسيره لسورة الواقعة:

(عن ابن عساكر عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم: لمّا نزلت إذا وقعت الواقعة ذكر فيها ثلة الأولين وقليل من الآخرين قال عمر يا رسول الله ثلة من الأولين وقليل منا؟ قال فأمسك آخر السورة سنة ثم نزل (ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ* وَثُلَّةٌ مِّنَ الْآخِرِينَ) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عمر تعال فأسمع ما قد أنزل الله (ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ* وَثُلَّةٌ مِّنَ الْآخِرِينَ) ألا وإن من آدم إلىَّ ثلة وأمتي ثلة ولن تستكمل ثلتنا حتى تستعين بالسودان من رعاة الإبل ممن شهد أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له)أهـ.

الحديث خص السودان من رعاة الإبل أي سكان جنوب الصحراء الكبرى وقد ذكر الشيخ إبراهيم الكولخي إنهم يسودون بحب النبي صلى الله عليه وسلم أي بدين الإسلام لا في الحروب القبلية فقال في قصيدة له في ديوانه (أوثق العرى في مدح سيد الورى صلى الله عليه وسلم):

وقد بلّغ المختار أدى أمانة * وناصحاً كلاً وما سعد البعض

وقد ساد سودان بحب نبينا * وقد ذل بيض في سرائرهم بغض

وفي هذين البيتين إشارة واضحة إلى تربص العالم النصراني (البيض) بالسودان في الهجمة الاستعمارية الراهنة ولكن سينتصر عليهم السودان لا بالقيادات الحالية التي تسعى لانتزاع العدالة من المركز فإذا تم ذلك فإنهم سوف يتقاتلون فيما بينهم أيهم يرث الإنقاذ أو أيهم يفوز برئاسة الإقليم إذا استعصى عليهم الوصول إلى المركز. وفي الصومال وأفغانستان عظات وعبر. فالمطلوب البحث بجدية عن الإمام الذي يقيم العدل والمساواة قال تعالى: (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ).

الإمـام الهـادي فـي المـلة الإبراهيمية

أورد الدكتور محمد عمارة في كتابه (الإسلام وضرورة التغيير) في المقدمة وتحت عنوان جانبي: الرسل والتغيير:

(وفي الحديث الذي يرويه قُرَّة البهزي، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، متنبئاً بفتنة عهد عثمان بن عفان: (كيف في فتنة تثور في أقطار الأرض كأنها صياصي (قرون) بقر)) رواه الإمام أحمد.

وكذلك أحاديث: (أثيروا القرآن فإن فيه خبر الأولين والآخرين).. و(من أراد العلم فليثور القرآن)... أي لا تقفوا عند ظواهر الألفاظ بل أبلغوا العمق (بالقراءة الثورية) للقرآن الكريم) أهـ.

أقول: حديث الإمام أحمد (فتنة.. كأنها صياصي بقر) يدور حول فتنة أبيي مرعى أبقار المسيرية.

لقد ذكر الحديث أن في إثارة القرآن بالغوص في معانيه لاستنباط الحلول لمشاكلنا الحالية هي أنجح وسيلة لمعرفة الطريق والمخرج من هذه الفتن التي لازمتنا عقوداً. وإن السبب الرئيس في الفتن هو الصراع حول الزعامة سواء كانت للدولة أو الإقليم أو القبيلة أو الحزب أو الحركة المسلحة.

وإن حل مسألة الزعامة إذا رجعنا إلى القرآن (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ) فقد حدد لنا القرآن الإمام وأصبح انصياع الجميع لأمره واجب ديني ومن خالفه يخرج عن الإسلام جملة وتفصيلاً.

أخرج مسلم عن علي قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(يخرج قوم من أمتي يقرأون القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء، ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء، يقرأون القرآن يحسبون انه لهم وهو عليهم، لا تجاوز صلاتهم تراقيهم يمرقون من الإسلام كما  يمرق السهم من الرمية) أخرجه مسلم باب التحريض على قتل الخوارج برقم (1566- 1066).

لم يشفع لهؤلاء قناعتهم بأنهم على الحق (يقرأون القرآن يحسبون أنه لهم) أي لا يداخلهم نفاق بخروجهم من الإسلام أو شك في الدين أو تكاسل أو تهاون في أداء عبادتهم بل يؤدونها على أكمل وجه.

وبعد تدبر هذا الحديث وأمثاله نجد أن الذي يخرج هذه الطائفة عن الإسلام أمر واحد فقط هو الخروج عن الإمام عن قناعة منهم إنهم على الحق (يحسبون أنه لهم) وذلك بسبب عدم إتباع الخليفة القرشي وهو رجل مخصوص من بين القرشيين وذلك بقدر ربأني أن جعل الخلافة في ذرية إبراهيم عليه السلام قال تعالى: (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) البقرة (24).

وسؤال إبراهيم ربه أن يجعل الإمامة في ذريته دليل أن الله هو الذي يعين الخليفة ولا يحق ذلك لإبراهيم بأن يورث الخلافة لأبنائه من بعده بوصية منه كما يفعل الملوك والأمراء في السعودية والأردن والمغرب وفي إمارات الخليج. هذه بدعة في الدين وخروج عن الملة الإبراهيمية وسبب خروجهم هو اعتمادهم لمنهج الإمام أحمد بن حنبل الجائر عن الملة الإبراهيمية فتحولت الأقطار الإسلامية السنية بأجمعها إلى خوارج.

قال الدكتور محمد بن عمر بن سالم بازمول في كتابه (الجماعة والإمامة) المقصد الخامس- شبهات حول الجماعة والإمام والرد عليها:

الشبهة الأولى: (أن الجماعة المقصودة في الأحاديث هي الجماعة التي إمامها إمام لجميع المسلمين)أهـ.

أقول: هذا هو الحكم الصحيح المستفاد من الأحاديث الصحيحة.

عن حذيفة بن اليمان يقول:

كان الناس يسالون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني فقلت: يا رسول الله:

(إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟

قال (نعم)

قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟

قال: (نعم) وفيه دخن

قلت: وما دخنه؟

قال: (قوم يهدون بغير هدي، تعرف منهم وتنكر)

قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ 

قال: (نعم، دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها).

قلت يا رسول: صفهم لنا؟

فقال: (هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا)

قلت: فما تأمرني أن أدركني ذلك؟

قال: (تلزم جماعة المسلمين وإمامهم)

قلت: فان لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟

قال: فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة، حتى يدركك الموت وأنت على ذلك) متفق عليه واللفظ للبخاري برقم (3606).

ومثله عن حذيفة بن اليمان قال:

إن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يسألون عن الخير وكنت أسال عن الشر مخافة أن أدركه وإني بينما أنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم قلت:

يا رسول الله: أرايت هذا الخير الذي أعطانا الله. هل بعده من شر كما كان قبله شر؟

قال: نعم

قلت: فما العصمة منه؟

قال: السيف.

قلت: وهل للسيف من بقية؟

قال: هدنة على دخن.

قلت: يا رسول الله ما بعد الهدنة؟

قال: دعاة الضلالة. فإن لقيت لله يؤمئذ خليفة في الأرض فالزمه وإن أخذ مالك وضرب ظهرك. فإن لم يكن خليفة فأهربن في الأرض حد هربك حتى يدركك الموت وأنت عاض على أصل شجرة) جاء في تخريجه بهامش تحقيق محمد عبد القادر عطا لكتاب السيوطي (نزول عيسى آخر الزمان) أخرجه البخاري في صحيحه (6/453) (13/30). وابن ماجه في سننه 2/1317 ومسلم في صحيحه 12/236 وأبو داود في سننه 4/95 والحاكم في المستدرك 4/432، 433 .

هذان الحديثان يشرحان العلة التي أدت إلى خروج الخوارج من الإسلام كما يخرج السهم من الرمية في حديث مسلم السابق (يخرج قوم من أمتي يقرءون القرآن...) وهذا الحديث هو أيضاً يوضح المراد بدعاة الضلالة والدعاة على أبواب جهنم هم الذين يقرءون القرآن ويحسنون التعبد به إيماناً واحتساباً (يحسبون أنه لهم وهو عليهم) والسبب هو عدم إتباعهم للإمام وجماعة الإمام في الحديث الأول (تلزم جماعة المسلمين وإمامهم) وفي الآخر (إن لقيت لله يومئذ خليفة في الأرض فالزمه) وإن لم يكن فأهربن في الأرض ولا تسمع للذين يقرأون القرآن ويتعبدون به كتعبد الخوارج فالعبره بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فكل من خالف إمام زمانه حكم عليه حكم الخوارج.

فالهروب في الحديث يجعل إقامة الناس للشعائر الدينية في جماعة هو في حد ذاته مخالفة لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم الصريح في هذين الحديثين الصحيحين. وقد أدرك العلماء ذلك ولكنهم حاولوا التحايل بحيلة هي الأخرى أخرجتهم من الملة. فمن التحايل قول العلماء (إمام الجماعة إمام لجميع المسلمين).

هذه الحيلة هي التي أوردها الدكتور محمد بازمول في كتابه (الجماعة والإمامة)

قال الإمام أحمد بن حنبل (ت 241هـ) (والسمع والطاعة للأئمة وأمير المؤمنين البر والفاجر، ومن ولى الخلافة واجتمع الناس عليه ورضوا به ومن غلبهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين)- أصول السنة رواية عبدوس ص 64.

قول الإمام أحمد هذا ناقضه بنفسه من الناحية العملية التطبيقية فقد أورد الدكتور بازمول في نفس كتابه (الجماعة والإمامة) قال في المقصد الأول منهج السلف في الجماعة:

(أن الشاذ ما خالف الحق وإن كان الناس كلهم إلاَّ واحداً منهم فهم الشاذون)

وقد شذّ الناس كلهم في زمن أحمد بن حنبل إلاّ نفراً يسيراً فكانوا هم الجماعة وكانت القضاة حينئذ والمفتون والخليفة وأتباعه كلهم هم الشاذون وكان الإمام أحمد وحده هو الجماعة. ولمّا لم يتحمل هذا عقول الناس قالوا للخليفة: يا أمير المؤمنين تكون أنت وقضاتك وولاتك والفقهاء والمفتون كلهم على باطل وأحمد وحده على الحق؟ فلم يتسع علمه لذلك فأخذه بالسياط والعقوبة بعد الحبس الطويل)أهـ.

لقد طبق الخليفة والناس قول الإمام احمد بأن سموا رئيس دولتهم (خليفة) و(أمير المؤمنين) لغلبته عليهم بالسيف ومنهم الإمام أحمد فقد غلبه هذا الأمير بالقهر والسيف بدليل حبسه له وجلده.

فلماذا لم يصِّر أحمد بأنه وحده هو الإمام وإن هذا الخليفة والأمة حوله هم الشاذون أو الخوارج.

أقول: لقد طبق الإمام أحمد المنهج الإسلامي عملياً بأن الخليفة هو من كان على الحق أي الذي يشهد لإمامته الله ورسوله ممثلاً في شهاده القرآن وشهادة السنة على إمامته وليس لغلبة السيف وفرض نفسه على الناس بالقوة حتى ولو عمل على تطبيق الشريعة كما جاء في الأحاديث (هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا) و(يقرءون القرآن...الخ).

ويعلم العلماء أن العبادات الجماعية والفردية لا تصح بدون هذا الإمام الذي هو إمام لكل المسلمين ولكي تصح لهم صلاة الجماعة والجمعة والحج...الخ) لجأوا إلى حيلة ذكرها الدكتور بازمول في كتابه (الجماعة والإمامة) قال:

(وقال الشوكاني (ت 1250هـ) (لما اتسعت أقطار الإسلام، ووقع الاختلاف بين أهله، استولى على كل قطر من الأقطار سلطان، اتفق أهله على إنه إذا مات بادروا بتنصيب من يقوم مقامه. وهذا معلوم لا يخالف فيه أحد، بل هو إجماع المسلمين أجمعين منذ قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هذه الغاية) السبيل الجرار (4/502) والسبل الجرار (4/512).

وقال الدكتور في تعليقه على الشوكاني:

فإذا تنبهت إلى هذا علمت أن الجماعة المقصودة هي كل جماعة تأمر عليها أمير يحكم فيها بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فإنه يجب عليه أن يقوم بصلاة الجماعة والحدود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وصلاة العيدين ونحو ذلك ويجب له البيعة والسمع والطاعة في المعروف)أهـ.

أقول: هذا التعليق للدكتور محمد بن عمر بن سالم بازمول هو بالضبط ما عنته ألفاظ الأحاديث ومعانيها في دعاة الضلالة (هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا) و(تعرف منهم وتنكر) فما نعرف هو أن العبادات بما فيها صلاة الجماعة والجمعة والعيدين والحج يكون أداؤها في جماعة في حد ذاتها خروجاً عن الدين إن لم يكن هنالك إمام عام وخليفة للأمة قاطبة بالنصوص (فان لم يكن لهم جماعة ولا إمام فأعتزل تلك الفرق كلها...الخ) وقوله (فإن لقيت لله يؤمئذ خليفة في الأرض فالزمه... فإن لم يكن خليفة فأهربن في الأرض حد هربك...الخ).

وهذا الإمام وهذا الخليفة ليس هو الذي يفرض نفسه بالقوة والقهر كما قال الإمام أحمد وإنما هو الواحد على الحق ولو كان واحد وخالفه هؤلاء الخلفاء والأمراء أصحاب الشوكة الذين فرضوا إمامتهم وخلافتهم وإمرتهم على الناس بالقوة كما فعل الإمام أحمد في الناحية العملية التطبيقية.

هذا الإمام الواحد الذي على الحق الذي يثبته له الشرع القرآن والسنة هو الذي يوحد الأمة التي قطع أوصالها هؤلاء الملوك والأمراء والرؤساء الذين استقل كل واحد منهم بإقليمه ومصره. وهو الذي يوحد السودانيين بعد أن مزقتهم الحروبات القبلية.

يظهر المهدي فـي حـرب من حروب القبـائل

الحروبات الجارية الآن في دار فور هي حروبات قبلية في المقام الأول بين الأعاجم والعرب وكذلك في الجنوب وجبال النوبة حتى تلك التي توجه لنظام الدولة فالدولة في السودان محسوبة على القبائل العربية وإن كان هذا الاعتقاد فيه نسبة كبيرة من الخطأ مع بعض الصواب.

هذه النعرة القبلية أحدثت شرخاً في النسيج الاجتماعي بين تلك القبائل على الرغم من امتزاجها وانصهارها بالمصاهرة والتزاوج.

فهذا الوضع في دار فور بصفة عامة هو الذي يمهد لخروج المهدي جاء في كتاب عقد الدرر ليوسف بن يحي المقدسي الفصل الثالث في الصوت والهدة والمعمعة والحوادث:

ذكر الإمام أبو اسحق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي في تفسيره في قوله تعالى: (إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّن السَّمَاء آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ) الشعراء (4) أي ذليلين.

قال أبو حمزة الثمالي في هذه الآية: بلغنا والله أعلم إنها صوت يسمع من السماء، في النصف من شهر رمضان تخرج له العواتق من البيوت، - وابو حمزة الثمالي هو ثابت بن أبي صفية ضعيف لا يحتج به.

وعن أبي إمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(يكون في رمضان صوت.

قالوا يا رسول الله في أوله أو وسطه أو آخره؟

قال: (بل في النصف في شهر رمضان، إذا كانت ليلة النصف ليلة الجمعة يكون صوت من السماء يصعق له سبعون ألفاً ويخرس فيه سبعون ألفاً وتفتق فيه سبعون ألف عذراء).

قالوا: فمن السالم يا رسول الله؟

قال: من لزم بيته وتعوذ بالسجود وجهر بالتكبير) قال: (وتبعه صوت آخر فالصوت الأول هو صوت جبريل والصوت الثاني صوت الشيطان، فالصوت في رمضان والمعمعة في شوال، وتميز القبائل في ذي القعدة ويغار على الحجاج في ذي الحجة والمحرم. وأما المحرم فأوله بلاء وآخره فرج على أمتي) أخرجه الإمام المقري في سننه سنن الداني لوحة 84، 85.

فالحديث ضعيف ولذلك لا يمكن الاعتماد على تحقيقه حرفياً ولكن هناك معالم تشد من أذره هي الآية التي جاءت بمعناه العام (مِّن السَّمَاء آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ) وفسر الحديث بأنه صوت جبريل وهذا مؤشر على أن هذا المهدي الذي يؤيده الله بنصره جبريل هو المسيح بدلالة أنه مؤيد بجبريل في (المهد) في فترة رسالته (وكهلاً) في فترة بعثته مهدياً لهذه الأمة قال تعالى: (إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً) المائدة (110).

وعيسى ابن مريم الذي يكلم الناس كهلاً هو مهدي آل البيت الذي يجمع الله به شمل الأخوة الإسلامية في دار فور بين (العرب والزرقة) بسبب حرب القبائل هناك.

جاء في كتاب عقد الدرر الفصل السابع في شرفه وعظم منزلته:

وعن أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب عليه السلام قال: قلت يا رسول الله أمِّنا آل محمد المهدي أو من غيرنا؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(بل منِّا: يختم الله به الدين كما فتحه بنا، وبنا ينقذون من الفتن كما أنقذوا من الشرك، وبنا يؤلف الله بين قلوبهم بعد عداوة الفتنة إخواناً كما ألف بين قلوبهم بعد عداوة الشرك، وبنا يصبحون بعد عداوة الفتنة إخواناً كما أصبحوا بعد عداوة الشرك إخواناً في دينهم) أخرجه جماعة من الحفاظ في كتبهم منهم أبو نعيم الأصبهاني وأبو القاسم الطبراني وعبد الرحمن بن أبي حاتم وأبو عبد الله نعيم بن حماد في كتاب الفتن لوحة (102).

أقول: هذا الحديث يحدد أن الذي يؤلف بين قلوب أهل دار فور هو مهدي آل البيت ولو عرضنا نصوص هذا الحديث على الأحاديث لوجدنا مهدي آل البيت هذا هو المسيح ابن مريم إذ لا يؤلف بين قلوب المسلمين ويجمع كلمتهم إلاَّ المسيح ابن مريم وقد سبقت الإشارة إلى حديث ابن ماجه (فيكون عيسى ابن مريم في أمتي حكماً عدلاً وإماماً مقسطاً... وتملأ الأرض من السلم (أي يضع حداً لاحتراب المسلمين بعضهم ضد بعض) وتكون الكلمة واحدة فلا يعبد إلاَّ الله) وهو معنى الحديث (يصبحون بعد عداوة الفتنة إخواناً في دينهم).

خـاتمة القـول

كل المجهود الذي بذلته الدولة وأصحاب الدراسات الاستراتيجية والأمنية وجهود المفكرين التي بذلت والاتفاقيات التي وقعت والاجتماعات والمؤتمرات وورش العمل التي أقيمت لحل مشاكل السودان والتي فشلت جميعها في الماضي مرشحة للفشل مستقبلاً كل ذلك كان يغني عنه دراسة المفكرين وعلماء الدراسات الإسلامية وعلماء الاجتماع لهذه الدعوة دراسة منهجية مجردة من كل الأهواء والأغراض فلو فعلوا ذلك لأدركوا أنها الحل الوحيد لمشاكل السودان في نطاقه القطري وحل مشاكل الأمة الإسلامية في بعدها الأممي. والذي يمنع الناس من دراسة دعوتي في العلن الخوف من الحكومة وطمعاً في عطائها ومتى تحرر السودانيون من هذا الخوف سوف تُحل مشاكل السودان.

وإذا أعرض الناس عن دعوتي بسبب خوفهم من حكومة الإنقاذ سوف تعتريهم المحن والشدائد حتى يعودوا إليَّ طوعاً أو كرهاً فلا مخرج للسودان وللأمة من هذه الفتن إلاَّ بإتباعي. واعتقد أن الحركات المسلحة في دار فور هي التي لا تخشى بأس الحكومة وبالتالي فهي القادرة على دراسة هذه الدعوة دراسة مستقلة وبإرادة حرة وستدرك بهذه الإرادة الحرة المستقلة أن ثورة الأعاجم الحالية هي التي ستقود في نهاية المطاف إلى إزاحة الظلم والفساد ليس عن السودان فحسب بل عن العالم الإسلامي أجمع بنص الحديث: (تغزون جزيرة العرب فيفتحها الله، ثم فارس فيفتحها الله، ثم تغزون الروم فيفتحها الله، ثم تغزون الدجال فيفتحه الله) فالحديث ينص على أن ثورة دار فور الحالية ستنتصر على الروم (النصارى) والدجال (حامي اليهود) وعلى (العرب) الذين باعوا دينهم للروم والأمريكان فأبدلهم (بقوم من قبل المغرب) هم أهل دار فور فضمان نصرهم بقيادة (الهادي) الوارد في الآية (وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ) أي لا ينتصر ثوار دار فور إلاَّ بقيادة المسيح.

ما دام هذا هو المآل فلا بد أن ينفض ثوار دار فور يدهم من طلب مناصرة الغرب واليهود المتمثلة في طلب القوات الأممية أو الأوربية استبدالها بطلب عون الله فهو ناصرهم لا محالة ولكن بقيادة (الهادي) لأنهم بنص الحديث سيجدون يوماً ما من مراحل ثورتهم هذه يحاربون النصارى الروم واليهود والعرب وينتصرون عليهم ولكن براية الإسلام وبقيادة الإمام (الهادي) سليمان أبي القاسم موسى لأن الله حمَّل الأعاجم من الغرب مسئولية مناصرة الخليفة الأخير في الإسلام وحمَّلهم مسئولية تجديد الدين عوضاً عن العرب.

وقصدي من هذا المنشور تنبيههم للقيام بالدور المنوط بهم من الله عز وجل وتكفل فيه بنصرهم وما بعثني ربي إلاَّ وأعدَّ لي في الأرض من ينصرني قال تعالى: (فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـؤُلاء فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ) الأنعام (89).

صدق الله العظيم

الجمعة غرة رجب 1429هـ الموافق 4/يوليو 2008م